دائمًا هناك فرصة للحلطمة!

تعيش المملكة العربية السعودية اليوم فترة صاخبة بالرؤى والخطط والأهداف والبرامج والمشاريع، ويتوافق معها العديد من القرارات والتغييرات.
يختلف تعامل الناس مع هذه الفترة فكثيرًا ما نجد أناس واقعيين ممن ينتقد الخطط و يكون نقده بنّاء لتطويرها بما يخدم الأهداف العامة التي وضعت تلك الخطط من أجلها، ونجد أيضًا من يدعم كل شيء بدون حتى معرفة ماهيته! والأهم والذين سأتحدث عنهم وإليهم في مقالي هذا هم من يرون في كل خطة وقرار ومشروع وخطوة فرصة للحلطمة والتثبيط وأنها غير قابلة للتحقيق وأنها مبالغة وأنها لا يمكن أن تتحقق وغيرها من الألفاظ التي تجعلهم ملتصقين بالأرض “حيث يشعرون بالراحة والبؤس في آن معًا!” عوضًا عن التحليق في سماء الازدهار والنمو والتطوّر.

قد تكون الإيجابية مصطلح مستهلك! وللأسف على الرغم من ذلك إلا أنها لم تنجح حتى الآن بحجم تداولها!
قرأت تعريفًا للسلبيين يقول ” هم أصحاب قدرة فائقة على تعقيد الأمور وتضخيم العيوب والنظر لأي موضوع نظرة تشاؤمية تطفئ بصيص الأمل في الأزمات”، وعندما انتهيت من قراءته شعرت بالأسى لأجل مئات الآلاف الذين يعيشون هذه المعاناة!
السلبي عالة على مجتمعه، حيث أنه معول هدم لكل فكرة قبل أن تولد، ولكل مشروع قبل أن يقام ولكل تفاؤل قبل أن يصبح بسمة.
دائمًا يجد فرصة للحلطمة وتثبيط الآخرين، وفي نفس الوقت نعلم يقينًا أنه لا يوجد فكرة أو مشروع لا يحمل جانب مخاطرة قد يؤدي إلى الفشل وذلك يزيد من فرصة “المتحلطم” في مهاجمة كل شيء حولك و”كسر مجاديفه” قبل أن يبحر!
هنالك أناس تعمل بجد واجتهاد ليل نهار وهي بأمسّ الحاجة لكلمة تدفعهم للأمام وتسندهم للتقدم، فيأتي ذلك “المتحلطم” ليريهم الجانب السيء ويعظّمه في أعينهم حتى يشعرون أن كل ما عملوا لأجله لا يمكنه أن ينجح! وقد يمر الإنسان بظروف صعبة قد تجعله في فترة “مؤقتة” يرى الأمور بسلبية ويتحلطم ليخفف من الطاقة السلبية بداخله، ولكن يجب ألا يكون ذلك حاله كل الأوقات.

ولا يتوقف ذلك على هذا الحد، فمن يعمل اليوم في منشأة حكومية أو خاصة يعلم أن لها مزايا و عيوب أو نقاط ضعف وقوة، لو طلبت منك استحضار أشخاص لا يرون إلا العيوب أو جوانب الضعف في حديثهم ومشاعرهم وعلاقتهم في المنشأة… من ستتذكر؟
قطعًا لن يخطر على ذهنك شخص مميز في أدائه، فمن لا يرى سوى تلك الزاوية لن يمكنه أن يستيقظ صباحًا ويذهب إلى عمله مبكرًا، لأن تلك الفترة “فترة العمل” ستكون هي الأسوأ دائمًا في يومه! وبناء على ذلك فإنه يرى كل شيء داخل عمله بذات الزاوية:
– مدير مزعج يطلب الكثير ولا يعجبه أدائي.
– منشأة عقيمة لا يمكنها أن تقدم قيمة لعملائها.
– التقييم الممتاز يذهب لأصدقاء المدراء فقط.
– إدارة تنفيذية تنسب النجاح لنفسها.
– رواتب سيئة دون مكافآت.
وعندما تناقشه يقول لك أن كل النقاط أعلاه حقيقية! نعم هي حقيقة، فمديره مزعج ولا يعجبه أداؤه لأنه لا ينجز عمله في الوقت المحدد ولا يعجبه أداؤه لأنه لا يقدم عمله بالجودة المتوقعة، ولا توجد منشأة عملاؤها راضين عنها 100% ولكن هنالك العديد من الفرص التي تسهم في رفع تلك النسبة والعديد من الأمور الإيجابية التي تجعلك أكثر ولاءً لتلك المنشأة، والتقييم الممتاز يذهب لأشخاص “آخرين” أطلق عليهم السلبي لقب أصدقاء المدير لأنهم يجتمعون به كثيرًا وذلك أمر منطقي أن يجتمع مع من يثق بهم أكثر ليوليهم ويفوضهم بمسؤوليات أكثر، وبخصوص أن الإدارة تنسب النجاح لنفسها فما هو النجاح الذي حققه؟ لا يوجد! هو مجرد عذر يتشبّث به لأجل أن يبقى مكانه دون عمل شيء، وأما الرواتب السيئة والمكافآت فبعد كل ما ذكرت لماذا أصلًا تتوقع أن تحصل على راتب ممتاز أو مكافأة!

حقائق اليوم قد تكون نتائج لسلبية الأمس! وقد تكون حقائق اليوم سلبية دون مسبّبات، وهنا تتولد الفرص للإسهام في التحسين والتطوير.

وعلى نطاق وطني، فإنا نشهد اليوم تحولًا وطنيًا و رؤية جديدة تحمل الكثير من الآمال والوعود في ظل ظروف تحتّم علينا التسارع في عملية البناء والتطوير والتنمية المؤسساتية في القطاع الخاص والعام والتنمية البشرية.
وكل تلك العمليات تحتاج إلى شباب طموح وشغوف ومتعلّم وكفوء يرى في كل تحدٍّ فرصة. وسيكون “فقط” الشباب الإيجابي، المتفائل، الحالم هو الذي يبني مؤسسات وطنه ويعزز من مكانته على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والتنموية.

حتى وإن صاحب الأمل والتفاؤل فشل –لا قدر الله-، يقول نيلسون مانديلا “أنا لا أخسر، إما أن أفوز أو أتعلم!” فالفشل درس وليس خسارة، وبالغ بعضهم في رأيي في أهمية الفشل! قال قائد الأسطول الأمريكي السابق الأدميرال هيومان ريكوفر “النجاح لا يعلمنا شيء، الفشل هو من يعلمنا فقط”.
تخيلوا أن في مجتمعات غيرنا أصبح الفشل أمرًا إيجابيًا! ولا يزال الكثير منا يرون “الحلم والأمل والرؤية” أمرًا سلبيًا!

الحلم هو المسيّر والمحفّز للعمل في الدول المتقدمة، تتكرر كلمتي “احلم، تفاءل” في كثير من اقتباسات العظماء بل أنك قد لا تجد رمزًا من رموز النجاح في التاريخ لم يتطرّق إلى إحدى تلك الكلمتين كمفاتيح للنجاح فرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلنا وقدوتنا يحثّنا على التفاؤل وشعراء العرب من بعده في تخليدهم لنجاحات القادة عبر قصائدهم وحتى يومنا هذا نجد الحلم والأمل ومرادفتها منطلق حديث معظم قادة العالم عند مخاطبة شعوبهم، بل أنك ستجد –كمثال- أن معظم شعارات الحملات الانتخابية لرؤساء أمريكا في الفترة التي تفوقت فيها على العالم تتحدث عن الأمل والمستقبل والحلم! حيث أصبح الناس يحبون أن يتعلقون بحلم يدفعهم للأعلى ويحفّزهم دائمًا للتغلب على الصعاب وذلك لإيمانهم بأن شعبًا له حلم يسعى إليه وأمل في عينيه لا يمكن لقوة في الأرض أن تمنعه بمشيئة الله.

ومن أجمل الأبيات الشعرية التي تحدثت عن الأمل وأهميته وأثره الإيجابي:
أعلل النفس بالامال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
**
لا خير في اليأس كل الخير في الأمل
أصل الشجاعة والإقدام في الرجل

لا يمكن للرؤى والأهداف الوطنية أن تتحقق دون مجتمع إيجابي وحالم وطَموح، وبتلك الإيجابية سيتولد الدافع للعمل والاجتهاد والتعلم لبناء الكفاءات الوطنية والمنشآت الوطنية بكفاءة وفعالية تضمن تحول الرؤى والأحلام إلى واقع في المستقبل القريب بإذن الله.

يجب أن يخجل السلبي من موقعه كعقبة أمام أحلام أسرته وأصدقائه وزملائه ووطنه، وأن يغير من نظرته للأمور وأن يسهم في بناء وطنه لأجلهم ولأجل أجيال المستقبل، فكل طفل يولد على الفطرة حالمًا طموحًا وإما أن تنمو أو تموت بحسب البيئة التي ينشء فيها.

احلم، كن ذا أمل.. قد يظن الناس أنك مجنون في بعض أحلامك! وهنا فقط تأكد أنك ستكون مختلفًا عنهم، وأنك في المسار الصحيح!

وبعد أن تحلم، حدد هدفك واعمل لأجله بكل ذكاء وجهد.
وإن لم يقنعك ذلك كله فاحرص على نفسك، فالسلبية تضعف جهازك المناعي! وتجعلك أكثر عرضة للموت بنسبة 42% من الأشخاص الإيجابيين وذلك في دراسة لجامعة ويسكونسن ماديسون.

وهل لك خيار أن تكون سلبيًا الآن 🙂

رد واحد على التدوينة “دائمًا هناك فرصة للحلطمة!

  1. اصبح الابداع مرتبط بك وبطرحك الاكثر من رائع، فعلا وصفت مايدور ببالي بمنتهى الدقه عن شريحه ليست بصغيره للاسف في مجتمعنا “المتحلطمون”.

    ابدعت?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *