إعادة هيكلة الدولة.. كيف ولماذا؟

شهدت وتشهد المملكة العربية السعودية سلسلة من الأحداث المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع الحكومي على كافة المستويات، والذي لم تشهده المملكة مسبقًا بذات التسارع وذلك منذ إطلاق الرؤية 2030 حيث ابتدء التغيير بإعادة توزيع بعض الملفات بين الوزارات الموجودة مثل انتقال الصناعة من وزارة التجارة والصناعة (آنذاك) إلى وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية ودمج وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية (آنذاك) وتسميتها بوزارة العمل والتنمية الاجتماعية وتوسيع نطاقة وزارة الزراعة والمياه ليشمل البيئة كذلك وغيرها من التغييرات التي طالت معظم القطاعات الحكومية حتى تم إعلان جهاز رئاسة أمن الدولة قبل أيام والهيئة الملكية للعلا وهيئة تطوير بوابة الدرعية وغيرها من التنظيمات الجديدة والذي يؤكد وجود مراجعة على مهام جميع المنشآت الحكومية وخلق أدوار جديدة للحكومة.

وهنا نتحدث بشكل متخصص عن أسباب تقييم هيكلة المنشآت الحكومية؟ وأهدافه؟ وكيفيته؟ ومالذي يمكن أن تنتج عنه؟

بداية.. لماذا نقوم بالهيكلة أساسًا؟ هل هي لتنسيق وتنظيم المهام كما يعتقد معظم الناس؟
وللإجابة عن هذا السؤال أقول بأنه لا يمكن أن يتم إنشاء هيكلة ناجحة دون وجود استراتيجية، حيث أن الهيكلة تعتبر المُمكّن والداعم لتحقيق الأهداف الاسراتيجية بأفضل مستوى أداء للأفراد حيث يؤثر الهيكل التنظيمي بشكل كبير على سلوك الأفراد في المنشأة، فإن كانت هنالك هدف استراتيجي يتعلق بتطوير الصناعة في مجالات الطاقة ودعم الصناعة بالطاقة فإنه من الأجدى والأكثر كفاءة أن ترتبط تنظيميًا الصناعة والطاقة تحت مظلة واحدة، وإذا كانت هنالك أجهزة تتشابه في أهدافها وتختلف في أدوارها لتحقيق تلك الأهداف وأجهزة أخرى تتبع إداريًا لنفس الوزارة ولكنها لا تتقاطع معها في ذات الأهداف فإنه من الأفضل دمج الأجهزة المتشابهة في أهدافها تحت مظلة واحدة لزيادة التنسيق والتركيز وتحقيق تكاملية العمل وفق أعلى كفاءة كما حدث بإنشاء جهاز رئاسة أمن الدولة، حيث لم يخرج الجهاز بمهام جديدة لم تكن تعمل عليها القطاعات التي انضمت تحت لوائه ولكنه ضم الجهات التي تعمل لتحقيق هدف مشترك وأدوار تكاملية لتمكين وزارة الداخلية للتركيز أكثر على أجهزتها الأخرى التي لم تكن بذات الأولولية التي حضيت بها الجهات التي دمجت تحت مسمى رئاسة أمن الدولة لما لها من حساسية وطنية وأمنية.

ويعتبر تشابه مؤهلات وخبرات الكوادر في بعض الأجهزة والذي يكون بسبب وجود تقارب في المهام مؤشرًا هامًا لإمكانية دمجها، مثلما حدث عندما أضيف ملف الاستثمار لوزارة التجارة.

ولتبسيط ذلك المفهوم فإن مشاريع الخطط الاستراتيجية وإعادة الهيكلة عادة ما تخرج بإحدى أربعة نتائج:

– إنشاء جهاز جديد بمهام جديدة، وعادة لا تكون تلك المهام جديدة كلّيًا ولكنها في السابق تكون دور بسيط أو ضمني لمنشأة حكومية لديها العديد من الأدوار الأخرى مثل الهيئة الملكية لتطوير العلا كان يقوم بدورها بشكل جزئي الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وهيئة تطوير بوابة الدرعية كانت تقوم بها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وكذلك مثل النيابة العامة حيث تم ربطها تنظيميًا بالملك مباشرة. ويتم ذلك عادة وفقًا للاعتبارات التالية:
o أهمية وحساسية تلك الأدوار في تحقيق أهداف ورؤية المملكة التي أنشئ الجهاز لأجلها، مما يتطلب استقلاليتها وحصولها على الإشراف والدعم المباشر من الملك أو ولي العهد وذلك لتسهيل أعمالها وضمان إنجازها وفق المخطط له.
o تمكينها ماديًا وإداريًا بالمخصصات والميزانيات والصلاحيات والكوادر المتخصصة كونها جهة مستقلة مسؤولة بشكل كامل عن الأدوار المناطة بها، باختلاف نوعها سواء كانت وزارة أو هيئة ملكية أو هيئة، مع اختلاف صلاحيات الرئيس لتلك الجهة بحسب صفتها.

– إنشاء جهاز جديد بمهام موجودة مسبقًا، حيث تدمج جهات حكومية تتشابه في أهدافها تحت مظلة واحدة مثل جهاز رئاسة أمن الدولة:
o ربطها بأعلى مستوى في الدولة (رئيس مجلس الوزراء) يدعم سرعة اتخاذ القرار والدعم على جميع المستويات.
o ضمان أعلى مستوى من التنسيق بين تلك الجهات.
o رفع الكفاءة المالية، حيث أتوقع أن يتم مستقبلًا دمج الإدارات المساندة في الجهات التابعة للجهاز أو توحيد سياساتها لتنطبق على الجميع بما يحقق الكفاءة في استثمار الموارد المالية وتحقيق العدالة الداخلية في الجهاز.

– توسيع نطاق عمل جهاز حكومي حالي، مثل توسيع نطاق وزارة البترول والثروة المعدنية لتكون وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية:
o لتغطية أدوار لها أهمية ولم تعطى الاهتمام الكافي.
o أو قد تكون أدوار موجودة سابقًا وتتقاطع مع دور المنشأة كثيرًا ولكنها لم تكن تتبع لها تنظيميًا في السابق فتم نقلها إليها لدعمها وزيادة كفاءة العمل وتنسيق الجهود وتقليل مستوى البيروقراطية.

– إبقاء هيكلة المنشأة كما هي، وهذا نادر الحدوث بسبب وجود مؤثرات خارجية على كل قطاع يجبره على مواكبة التغيير الذي يحصل في العالم ويتوائم معه حيث أننا لا نعيش بمعزل عن العالم وهنالك العديد من الأنظمة والتشريعات والتغيرات السياسية والثقافية والاقتصادية والتقنية التي تستوجب استمرار إعادة الهيكلة.

وتعتبر إعادة الهيكلة أحد أهم العناصر الاستراتيجية حساسية عند التطبيق وذلك لوجود المقاومة الناعمة والتي تبرز عن حدوث أي تغيير، إعادة الهيكلة كإجراء لا يكفي لتحقيق الأهداف بل يجب أن يتوافق مع ذلك رسم واضح لملامح الثقافة لتلك المنشأة الجديدة التي تم استحداثها أو دمجها أو توسيع نطاقها وترسيخ تلك الثقافة لحظة بلحظة في كل مراحل التأسيس عبر برامج مخصصة ومبادرات داخلية لضمان تقليل مستوى مقاومة التغيير ودفع الناس للتركيز على الهدف حيث يتواكب مع أي مشروع إعادة هيكلة بعد اعتماده انخفاض في أداء الجهة التي تمت إعادة هيكلة لفترة من الزمن قبل أن تصل لمستوى الأداء المنشود والذي يكون أفضل مما كانت عليه في السابق لعدة أسباب منها التحوّط واكتشاف التغيير ومنها مقاومة الجديد وغيرها، وهنا يأتي دور البرامج والمبادرات في ردم تلك الهوّة بأسرع وقت ممكن لضمان تحقيق الأداء المنشود في أسرع وقت.

وتعدّ المقارنة المرجعية معيارًا هامًا عند إجراء أي مشروع إعادة هيكلة، والمقصود بذلك هو وضع المنشآت المشابهة حول العالم وخصوصًا في الدول المميزة في دور المنشأة التي ترغب المقارنة بها ودراسة هيكلها التنظيمي وكيف وصلت لذلك المستوى (الاستفادة من الدروس السابقة أو ما نعبّر عنه بـ -نبدأ حيث انتهى الآخرون-).

وأخيرًا أقول بأن إعادة الهيكلة ليست عملًا لمرة واحدة كل زمن، بل أنها عملية مستمرة تتأثر بجميع أنواع المتغيرات التي يمكنك تخيلها! وتسارع عجلة إعادة الهيكلة حول العالم يسير بسرعة أكثر من أي وقت مضى، وفي المملكة العربية السعودية خصوصًا.

الآن.. وبعد قراءتك لهذه المقالة فإني آمل أن تجعلك أخبار إعادة الهيكلة عند سماعها أكثر سعادة وثقة وتفاؤل بالمستقبل.

• هذا المقال قراءة وتحليل شخصي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *